أخر الاخبار

التأمل أرقى وأسمى من التعلم

التأمل أرقى وأسمى من التعلم

في الطبيعة نستطيع أن نكتشف العالم والإنسان، في حقيقة الأمر كل شيء يمكن اكتشافه فيما عدا الذات الإنسانية أو الشخصية، إنه فقط من خلال هذه الذات نتصل باللانهائي، خلال الذات ـ ومن خلالها فحسب ـ نشعر بالحرية وندرك العالم الآخر الذي نشترك معه في ميراث واحد.
الإنسان وحده فقط، يستطيع أن يشهد بوجود عالم الأرواح والحرية، وبدون الذات يستحيل أن نشهد عالـماً وراء عالم الطبيعة، لأن كل شيء آخر بجانب ذات الإنسان هو وجود براني ظاهري، إن التأمل هو استغراق في الذات، ومحاولة للوصول واكتشاف هويتنا وحقيقة حياتنا ووجودنا، فالتأمل لهذا السبب لا يحاول الإجابة على أسئلة عن المجتمع أو البشر، إنه معنيٌّ فقط بالتساؤلات التي يضعها الإنسان أمام ذاته.
وإذا دققنا النظر في «التأمل» نجد أنه ليس وظيفة من وظائف الذكاء، فالعالـِمُ وهو يُصَمِّمُ نوعاً جديدًا من الطائرات لا يتأمل، إنما يفكر أو يدرس ويبحث ويختبر ويقارن، وكل هذه الأنشطة في مجموعها أو منفردة ليست تأملاً، أما الراهب والشاعر والمفكر والفنان، فإنهم يتأملون، إنهم يحاولون الوصول إلى الحقيقة الكبرى، السر الوحيد الأكبر،ـ هذه الحقيقة تعني كل شيء ولا شيء: كل شيء بالنسبة للروح، ولا شيء بالنسبة لبقية العالم.
من أجل ذلك، كان التأمل نشاطًا دينيًا، الفرق بين العقل والتأمل عند أرسطو هو الفرق بين الإنساني والإلهي، والصلاة في «البوذية» مجرد تأمل، وفي المسيحية نجد أن طقوس الرهبانية التأملية ظاهرة جد منطقية، ويذهب الفيلسوف «إسبينوزا» إلى أن التأمل أرقى شكل وهدف للأخلاق.
إن التعليم وحده لا يرقى بالناس ولا يجعلهم أفضل مما هم عليه أو أكثر حرية، أو أكثر إنسانية، فالعلم يجعل الناس أكثر قدرة، أكثر كفاءة، أكثر نفعاً للمجتمع، وقد برهن التاريخ على أن الرجال المتعلمين والشعوب المتعلمة يمكن التلاعب بهم، بل يمكن أن يكونوا أيضاً خُدَّاماً للِشَّرِّ، ربما أكثر كفاءة من الشعوب المتخلفة.
إن تاريخ الإمبريالية سلسلة من القصص الحقيقية لشعوب متحضرة شنت حروبًا ظالمة استئصالية استعبادية ضد شعوب متخلفة أقل تعليماً، كان أكبر ذنبها أنها تدافع عن أنفسها وحرياتها، فالمستوى التعليمي الراقي للغزاة لم يؤثر على الأهداف أو الأساليب، لقد ساعد فقط على كفاءة الغزاة وفرض الهزيمة على ضحاياهم.
المدون بتصرف عن الإسلام بين الشرق والغرب لعلي عزت بيغوفيتش
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-