أخر الاخبار

وصية كليب للزير سالم.....لا تصالح


وصية كليب للزير سالم.....لا تصالح

قصة "لا تصالح" — ثأر الزير سالم

في زمن الجاهلية، حين كانت القبائل تعيش على الكرامة، ويُقاس المجد بحد السيوف، وقع أعظم ظلم في تاريخ قبيلتي تغلب وبكر، حين امتدت يد الغدر لتغتال الفارس العظيم كليب بن ربيعة، ملك قومه وسيد أرضه.

القاتل لم يكن غريبًا، بل كان من أقرب الناس إليه: جساس بن مرة، ابن خاله، وصاحب دمه.

لم يكن القتل في معركة ولا في ساحة مواجهة، بل كان طعنة في الظهر، خيانة ما بعدها خيانة.

حين وصلت الأخبار إلى الزير سالم، أخ كليب، اشتعلت نيران الغضب في قلبه، ولم يصدق ما سمع. كان كليب أخاه في الدم والسيف، وكانا معًا يرهبان الأعداء ويؤسسان لهيبة لا تُضاهى.

جلس الزير سالم أمام جثة أخيه، والدم ينزف من قلبه قبل عينيه، ونذر نذرًا عظيمًا:

"والله لا أضع سيفي من يدي حتى أثأر لأخي، وأذيق جساسًا ومن وراءه مرارة ما فعلوه."

مرت الأيام، وتقدم إليه بعض العقلاء، يطلبون منه أن يصالح، أن يطوي صفحة الدم، وأن ينسى جرح الغدر.

لكن الزير لم يكن ليسامح، فقد رأى في الصلح خيانةً لدم أخيه. فجلس ذات مساء، وكتب على لسانه أو أُهديت إليه أبيات، حملت رسالته للناس وللزمن، وكانت عنوانها:

"لا تصالح"

قال فيها إن الغدر لا يُنسى، وإن جساس قد فتح باب الدم، فلا مجال للرجوع، وإن من يصالح غادر.

وأوصى من بعده أن يُكمِل طريق الثأر، فلا شيخ يُرحم، ولا فتى يُعفى، حتى يعود الدم بالدم.

ولم تكن وصيته إلا تعبيرًا عن قانون الشرف الجاهلي، حيث لا مكان للغفران إن اختلطت الأرض بدم الأخ المظلوم.

ومات الزير سالم، لكن كلماته ظلت حيّة، تتردد عبر الأجيال، تحمل صدى الغدر والثأر، وتُحذّر من الصلح مع من خان.

هي الوصية التي كتبها كليب لأخوه الزير سالم بدمه حين كان يحتضر بعدما طعنه ابن عمه جساس في ظهره



لا تصالح

هديت لك هدية يا مهلهل       *** عشر أبيات تفهمها الزكاه
وأول بيت أقول استغفر الله      *** إله العرش لا يعبد سواه
وثاني بيت أقول الملك لله     *** بسط الأرض ورفع السماه
وثالث بيت توصى باليتامى *** وقاضي العهد لا تذكر سواه
ورابع بيت أقول الله اكبر        *** على الغدار لا تنسى أذاه
وخامس بيت جساسٍ غدرني *** شوف الجرح يعطيك النباه
وسادس بيت قلت الزير خيي     *** شديد البأس قهار العداه
وسابع بيت سالم كون رجال    *** لأخذ الثأر لا تعطي ولاه
وثامن بيت بالك لا تخلي          *** لا شيخ لا كبير ولا فتى
وتاسع بيت بالك لا تصالح    *** وإن صالحت شكوتك للإله
وعاشر بيت إن خالفت قولي*** أنا واياك إلى قاضي القضاه

 الزير سالم (عدي بن ربيعة)، وهي قصيدة شهيرة تُعرف باسم "لا تصالح"، وتُروى على لسان الزير سالم عندما أُهديت له أبيات يُطلب فيها العفو أو التصالح مع قاتل أخيه كليب (جساس بن مرة). والقصيدة كلها تدور حول الثأر، والوفاء بالعهد، والرفض القاطع للصلح مع الغادر.

سأشرح لك الأبيات بيتًا بيتًا:


البيت الأول:

هديت لك هدية يا مهلهل
عشر أبيات تفهمها الزكاه

هذا تمهيد، وكأن قائل الأبيات يهدي هذه الأبيات العشرة للزير سالم (مهلهل) ويؤكد أنها تحتوي على معانٍ عميقة، يفهمها من كان ذكيًا حذرًا (كالزكاة التي تُفهم من فطنة المؤمن).


البيت الثاني:

وأول بيت أقول استغفر الله
إله العرش لا يعبد سواه

بدء الحديث بالتوحيد والاستغفار، تأكيدًا على الإيمان بالله وحده، واستحضار روح التقوى قبل الدخول في الموضوع الخطير (الثأر).


البيت الثالث:

وثاني بيت أقول الملك لله
بسط الأرض ورفع السماه

توكيد لعظمة الله وسلطانه، وأن كل شيء بيده، مما يعطي الشرعية لأي قرار يتخذه الزير من منطلق العدل الإلهي.


البيت الرابع:

وثالث بيت توصى باليتامى
وقاضي العهد لا تذكر سواه

تذكير بالمسؤولية الأخلاقية تجاه اليتامى، وقد يكون المعنى رمزيًا: أبناء كليب أصبحوا يتامى ويحتاجون من يرد لهم حق أبيهم.


البيت الخامس:

ورابع بيت أقول الله أكبر
على الغدار لا تنسى أذاه

دعاء وانتصار للحق، وإعلان الغضب على الخائن (جساس)، مع تذكير بعدم نسيان الغدر الذي وقع.


البيت السادس:

وخامس بيت جساسٍ غدرني
شوف الجرح يعطيك النباه

هنا يتحدث الزير مباشرة عن جساس، ويؤكد أنه غدر بأخيه كليب، والجرح -سواء مادي أو نفسي- دليل على الخيانة التي لا تُغتفر.


البيت السابع:

وسادس بيت قلت الزير خيي
شديد البأس قهار العداه

وصف لنفسه بالقوة والشجاعة، فهو "شديد البأس" ولا يرحم أعداءه، وكأنه يذكر أنه قادر على الانتقام.


البيت الثامن:

وسابع بيت سالم كون رجال
لأخذ الثأر لا تعطي ولاه

توجيه للورثة أو من بقي من أهله (ربما ابن أخيه أو أحد أقربائه) بألا يضعفوا، ولا يتنازلوا عن الثأر.


البيت التاسع:

وثامن بيت بالك لا تخلي
لا شيخ لا كبير ولا فتى

تحذير صارم: لا ترحم أحدًا من أهل جساس، لا شيخًا ولا فتى، فالكل شركاء في الجريمة أو مسؤولون عنها.


البيت العاشر:

وتاسع بيت بالك لا تصالح
وإن صالحت شكوتك للإله

هذا هو لبّ القصيدة: تحذير شديد من الصلح، وإن تم الصلح فسيكون ذلك خيانة، ويشكو القائل ذلك إلى الله.


البيت الحادي عشر:

وعاشر بيت إن خالفت قولي
أنا واياك إلى قاضي القضاه

ختام القصيدة بالتوعد: إن خالفت وصيتي ولم تثأر، فسأخاصمك أمام الله يوم القيامة، فهو الحكم العدل.

 الرسالة من القصة:

القصيدة، وإن بدت قاسية، إلا أنها تصور عقلية عصر قبلي لا يعرف التسامح حين يتعلق الأمر بالخيانة. هي وثيقة غضب، وصوت رجل كُسر قلبه بموت أخيه، واختار طريقًا لا رجعة فيه.


الخلاصة:

هذه القصيدة تعبير قوي عن الثأر والوفاء للأخ، ورفض للصلح مع الغادر. تحمل نبرة حادة وعنيفة، وتُظهر القيم القبلية التي كانت سائدة: الشرف، الدم، الكرامة، وعدم التهاون مع الخيانة.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-