حديث فيما يسمى بعلم السياسة للباحث الفرنسي آلان كليس
نادر ما تظهر الحياة الاجتماعية في حالتها الصرفة فالممارسات وأنماط التنظيم تحددها أجهزة معقدة، والمؤسسات على اختلاف أنواعها: الأسرة، المدرسة، الوطن، تُعْجِز عقولنا وترسخ فيها الرموز والمحرمات الجماعية رغم أنفنا.إن الأنظمة السياسية لا تقدم للملاحظة إلا ما هو مشرف : الدولة في أزهى واجهاتها، خطاب مؤثر من الطيبوبة والكرم، شرطة نظيفة وجيش فوق كل الشبهات، والفاعلون يلعبون دورا معصوما والممارسات السياسية ماهرة صافية، رسميا "كل شيء عادي" فيما يخص الانتخابات، والديمقراطية في حالة جيدة، والحريات العامة مضمونة، وتبقى النصوص، إنها تقول شيئا واحدا "كل شيء يسير طبقا للقانون".
إن السلطة ثرثارة، إلا أنه ينقصها سعة الخيال، فهي تنشر ترسانة متينة من الشعارات الجاهزة : الديمقراطية، المساواة العدل للجميع وخطاب أولئك الذين هم خارج السلطة يكاد يكون أقل تفاهة، "ألسنة من خشب في مواجهة كلمة من حديد"، وفيما عدا هذه الحقائق الرسمية، " ليس هناك أي شيء يمكن رؤيته، انصرفوا!!"، فالدولة تغطي الحقيقة بطبقة من الإسمنت حتى لا يظهر أي صراع أو تناقض أو تسخير أو اختلاس، والحقيقة الرسمية لا غبار عليها، وفيما عدا هذا ليس هناك أي شيء يمكن دراسته.
يجب أن لا نبحث عن علم السياسة حيث لا يوجد، فالتسميات خادعة، ذلك أن علم السياسة لا يدرس في " معهد العلوم السياسية" بشارع سان غيوم بباريس، ولا في أكاديمية العلوم بموسكو، ولا في إحدى هذه الجامعات الأمريكية الخصوصية حيث يمكن شراء دبلوم علم السياسة دون أن تضع قدميك فيها، وعلى الرغم من ميوعة محتواه (لا موضوع ولا مناهج خاصة) فإن علم السياسة يجلب تعويضا اجتماعيا مشرفا، فمن هب ودب يدعي أنه يشتغل بعلم السياسة: الصحفيون، الدبلوماسيون وأساتذة القانون.
وفي سوق العمل لم يعد علم السياسة مربحا، غير أنه يشكل إحدى الكماليات المفيدة بالنسبة لشاب منحدر من عائلة مرموقة، متمكن من دبلوم في الهندسة بالخارج ومعتمد على معارف أبيه، فبالنسبة للساسة، يمنح علم السياسة، شأنه في ذلك شأن القانون، حدا أدنى من الشرف مقرونا بالأسلوب الجيد والعادات الحسنة، وهذا ما يطلق عليه الفرنسيون "الشيم المتمدنة" أي أنه يحضر الحياة السياسية وتلكم وظيفته الاجتماعية، وخارج الاجتماعي، يتسلق الباحث الهاوي "دروب العلم العسيرة" بعناء، عماذا يبحث؟ هو نفسه قلما يدري! إنه يريد أن يفهم لا أقل ولا أكثر، يريد أن يفهم الواقع الثاوي وراء الأجهزة المصفحة لأنظمة السلطة، فالدولة وإيديولوجيوها المحترفون : الأقلام المتملقة، والمقربون والأتقياء المزورون والأبواق المأجورة والرؤساء المديرون العامون، يلفقون التاريخ الرسمي بدون أحداث، فكيف يمكن إذن أن نأول وقائع سياسية لا وجود لها رسميا.
